Wednesday, June 13, 2012

البرادعي , وائل غنيم , والتأسيسية


شاهدت ما قاله البرادعي مع لميس الحديدي عن الدستور
و قرأت ما قاله وائل غنيم عن أسباب انسحابه من الجمعية التأسيسية

و لي هنا بعض التعليقات
أولاً : بالنسبة لمن يرون أن آراء البرادعي – مثل قرارات اللجنة العليا للانتخابات – غير قابلة للطعن عليها , أذكرهم أن البرادعي بشر , يصيب و يخطئ .
أشهد له بأنه – في آخر ثلاثة أعوام – أصاب أكثر مما أخطأ , و لكن التعامل مع آرائه على أنها منزلة من فوق سبع سماوات هو أمر يدعو للسخرية من شدة سخافته.
مثال لأخطاء البرادعي:

ثانياً : يرى البرادعي أن مقارنة أعضاء اللجنة التأسيسية الحالية بـ"القامات" – على حد وصفه – التي كانت في اللجنة التأسيسية لدستور 1954 تجعلنا نرى هذه اللجنة مجرد سخف.
لن أعلق على رأيه في أشخاص هذه الجمعية التأسيسية , فهو أمر جدلي, و لكن ما يهمني في الأمر نقطتين:
  • ذاك الدستور (دستور 54) لم ير النور.
  • فض الجمعية (التي عملت لمدة ثمانية عشر شهراً متواصلاً) لم يأخذ أي رد فعل عنيف في الشارع.
أهمية هذا الأمر هو أنه ما قمية أن تقوم جمعية تأسيسية فيها قامات الفكر و نوابغ الأمة لو أن حلها لم يكن له أي صدىً في المجتمع ؟
ماذا نجني من جمعية فيها كل أساتذه الفكر و الإبداع , إن لم ينوِ أحدٌ الدفاع عنها ؟

في التأسيسية الحالية , ممثلين لأحزاب و نقابات و مؤسسات مجتمع مدني , كلها ذات مصلحة في بقاء الجمعية.

يعني ذلك بالضرورة أنه في حال حل هذه الجمعية , فيفترض أن تقوم أغلب هذه الهيئات – أو كلها لو افترضنا المثالية – بنقل الصراع إلى الشارع , كلُ عن طريق قنواته الإعلامية و طاقاته البشرية , بما يُجبر العسكر على النزول على إرادة الشعب, أو - على أقل تقدير – يضع حاجزاً حقيقياً بين العسكر و محاولة حل تلك الجمعية (إن أقيمت), فحلها يستلزم حل و إعادة هيكلة المؤسسات المنتخبة في المجتمع كله تقريباً , أو تهميش إرادتها على أحسن تقدير.
أما لو كانت الجمعية معبرةً عن إرادة العسكر وحدهم دون غيرهم , فلا يُتوقع من أحدٍ أن يدافع عما لم يختره.

ملحوظة جانبية : كنت من دعاة التصويت بـ"لا" في الاستفتاء طلباً لصياغة الدستور أولاً , و هو ما قد يبدو متناقضاً مع كلامي هنا , لكن يقع في هذا الخطأ من يقيس كلامي آنذاك مع إمكانيات العسكر اليوم أو العكس.
حينها كان العسكر في قمة الضعف , إذ لم تكن المؤسسة الأمنية قد استعادت قبضتها الباطشة (من كان يجرؤ على الحديث عن حق الضبطية القضائية للعسكر و المخابرات الحربية آنذاك؟) و كانت كل القوى الثورية في قمة عنفوانها.

من نتيجة "ثانياً" , انتقل إلى "ثالثاً".

ثالثاً : بالنسبة لكلام وائل غنيم عن دراسة جامعة برنستون عن طرق صياغة الدساتير, و سرده لأسامي بعض الدول التي غيرت الدستور عن طريق السلطة التشريعية , و أن هذا أدى لتغير الدستور أكثر من مرة (أكبر عدد ذكره كان ثلاث مرات), قال في معرض كلامه أن القياس ليس مجرد قياسِ كميّ , و لكن يجب كذلك أن يأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة و حجم الدولة و ثقلها.
تعالوا نناقش الظروف المحيطة بمصر :
  • حكم عسكري متغلغل منذ ستين عاماً يقاتل من أجل البقاء مهيمناً على مقاليد البلاد, تسانده في ذلك إدارة أمريكية ترى مصالحها في أن لا يأتي على رأس مصر رئيسُ قد يسبب القلق للكيان الصهيوني و لو بمجرد توفير غطاء تمويني لغزة المحاصرة.
  • نظام يحاول أن يستعيد نفسه بقوة , منفقاً في ذلك أمولاً طائلة بلا حساب , لأنه يعلم أن عودته ستكفل له تغطية نفقات العودة من جيوبنا "فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون".
  • نخبة تقبل أن يحكمها العسكر ستاراً لحكم ٍ أمريكيِ على أن يحكمها نظام إسلامي.
  • إعلام لا يمكن وصفه إلا بأنه إعلام "أُُبي بن سلول", يرى الحق حقاً , فيُضل الناس عنه , و يرى الباطل باطلاً , فيزينه للناس, و عندما يُفضح , يكاد يقول "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد".
  • حكام عرب يكادون يقولون "أنا ربكم الأعلى" , يرون في الثورة و نجاحها ذبحاً لأحلامهم في الألوهية , و لرؤوسهم كالنعاج, جزاءً وفاقاً, و هم مستعدون لبذل الغالي و النفيس من أجل عودة النظام , حتى يقنعوا شعوبهم أن الثورات إهدارُ للدماء بلا ثمن, و يخرج علينا مشايخ السلاطين من المرجئة مثبطين للشعوب ,  مستشهدين بما حدث في مصر, داعين – أو قل ناعقين – إلى الرضا بالاستبداد و الذل و الهوان على أنه قدرُ مقدور.
  • كيان صهيوني يريد أن يظل المصريون ملهيين في البحث عن كسرة خبزٍ يمن بها عليهم من سرقها من أموالهم , ليرفل هو في نعيم الثروات المصرية المنهوبة من غازٍ و غيره , و يأمن جانب المصريين , و يُخَذّل كل أبيِ من أمة الإسلام عن التفكير في القضاء على هذا السرطان اللعين المسمى بإسرائيل.

بعد سرد كل الظروف السابقة, أجد أن الأهم الآن و واجب الوقت هو إبعاد العسكر, المرتبطين بمصالح مع النظام القديم , الموَجّــَهين من أمريكا, الفاتنة لكثيرٍ من نخبتنا , المعنية بمصلحة إسرائيل , الراعية لـطغاة العرب, المضللين للشعوب بـإعلامهم الفاسد.

كلام وائل غنيم عن المشاكل في التأسيسية صحيح و منطقي , مقنع بالنسبة لي , و أراه في محله كذلك , مع مشكلةٍ بسيطة: كونه نظريٌ تماماً
و تصلح تلك الحلول النظرية في الظروف المثالية , أما في الظروف العادية , فإننا يجب علينا أن نضع في حسباننا الكثير من العوامل الأخرى المرتبطة بالتطبيق لا النظريات , و هو يعلم ذلك مثلي تماماً باعتبار مجال عملنا و هو الهندسة.

ثم هو يسرد الحل في سياق كلامه عن تكرار كتابة الدستور.

أرى أن الأفضل أن نتفق على جمعية تأسيسية حتى لو لم تكن مثالية (يكفي أن ترضي ثمانين بالمائة من طموحاتنا , و يجب أن يكون على رأس أولوياتنا فيها بنود صلاحيات الرئيس و بنود الحريات) , و نبدأ في صياغة الدستور, حتى يرحل العسكر (حتى و لو جزئياً) و بعد ذلك نعدل ما يلزمنا تعديله من مواد في وقت لاحق.

و أخيراً , كل الدساتير قابلة للتعديل ما دامت المجتمعات حية تمارس السياسة , فإن دخل العسكر في السياسة , فلا قيمة للدساتير , و لا قيمة للسياسة , و لا قيمة للحياة.

No comments:

Post a Comment